فؤاد الخوري ليس كأيّ كتاب... مروة حيدر: رسالة "دعوة للضحك" وصلت… أنا مترجمة تبتسم!

2017-10-02 - 9:31 م

لتحميل الحوار PDF

مرآة البحرين (خاص):« كان ينقلني من حالة إلى حالة». هذا ما تقوله مروة حيدر مترجمة كتاب «دعوة للضحك» عن عالم الأنثروبولوجيا اللبناني فؤاد إسحاق الخوري، واصفة شعورها أثناء عملها على ترجمة الكتاب.

وتقول «بدأت أشتغل على الكتاب باعتباري مترجمة تنقل سيرة شخص بين لغتين (...) لكني بعد ذلك شعرت أن سيرة هذا الرجل تنقلني من حالة إلى حالة، من حالة الجهل بالكائن الإنساني إلى حالة المعرفة به».

«دعوة للضحك» هو السيرة الذاتية للخوريّ وآخر كتاب صدر له قبل رحيله في العام 2003؛ إذ قام بتسليم مسودته إلى زوجته سونيا خوري قبل وفاته بيومين.

لكن هل استطاع خوري أن يوصّل دعوته إلى الضحك؟ تقول حيدر «لا يمكنني القول إن دعوته وصلت فقط لكنني أيضا لبيتها بكل سرور». وتضيف «في كثير من الأحيان عندما كنت أتعب من الترجمة كنت أكمل قراءة الكتاب بكل شغف. كثيرا ما حملت هذا الكتاب وكأنه قصة ما قبل النوم، وكثيرا ما كان ينتهي بي الأمر لأطلق ضحكات يتعجب منها من حولي».

فيما يلي مقتطفات من الحوار مع مترجمة كتاب «دعوة للضحك: سيرة عالم أنثروبولوجيا لبناني في العالم العربي»:

يتحدث فؤاد الخوري عن خلاصة تجربته في التدريس بالجامعة الأمريكية بقوله «الأفكار التي كنتُ أحبها كانت الفكرة التي يفهمها الطلاب ويتذكرونها. مقياس نجاح محاضرة معينة هو مزاج الأستاذ بعد خروجه من الصف». كيف يبدو مزاجك بعد انتهائك من هذه الترجمة؟

مروة حيدر: أستطيع أن أقول بثقة كبيرة إن فؤاد إسحق الخوري قد ترجمني بقدر ما ترجمته في هذا الكتاب. من المعروف أن الثقافة العربية تسمى السيرة (ترجمة)؛ فسيرة (الخوري) يسميها علماء التراث ترجمة، ومعروفة كتب التراجم في التراث، وعلم التراجم أو علم تراجم الرجال، هو العلم الذي يتناول سير حياة الأعلام من الناس عبر العصور المختلفة، ككتاب (سير أعلام النبلاء للذهبي) و(معجم الصحابة لأبي نعيم). لاحظوا العلاقة بين معجم وترجمة، الكلمتان تحيلان لمعنى (السيرة).

من يترجم كأنه يفصح عن الغموض الذي في سيرة الشخص، يجعلها واضحة، تماما كما يفعل المعجم يوضح لنا الغامض من الكلمات وقدم لنا سيرة حياة الكلمة. وجدت في عملي على سيرة (الخوري) أني أقوم بذلك بشكل مزدوج، لقد بدأت أشتغل على الكتاب باعتباري مترجمة، تنقل سيرة شخص بين لغتين، وتستعين بالمعجم في عملها. لكني بعد ذلك شعرت أن سيرة هذا الرجل بحسها الأنثربولوجي العميق كأنها تترجمني، تنقلني من حالة إلى حالة، من حالة الجهل بالكائن الإنساني إلى حالة المعرفة به، من حالة الجهل بحالي ونفسي إلى حالة المعرفة بها والوضوح بحالتها. شعرت كأني أجلس معه في محاضرته بالجامعة الأمريكية وهو يشرح الأفكار التي يحبها، كأن مزاجه بعد محاضرة يقدمها رائعة قد انتقل لي بعد ترجمة أقدمها رائعة. أظن أني تمكنت لحد كبير من ترجمة روحه في هذا الكتاب، وأظن أن القرّاء لن يقرأوا ترجمة لكلمات من لغة إلى لغة، بل يقرأون ترجمة بمعنى سيرة نابضة بالحياة والضّحك.

تقول زوجته في تقديمها للكتاب «أنا وأطفالي، نتذكر تماما اليوم الذي خرج فيه فؤاد ليعلن بلهجة المنتصر عنوان كتابه: دعوة للضحك. وضع عدة عناوين، وفي النهاية، وقع خياره على أكثر ما كان يريدنا أن نربطه به وبمهنته». هل وصلتك دعوته للضحك وأنت تترجمين سيرته؟

مروة: لا يمكنني القول إن دعوته وصلت فقط لكنني أيضا لبيتها بكل سرور. في كثير من الأحيان عندما كنت أتعب من الترجمة كنت أكمل قراءة الكتاب بكل شغف. كثيرا ما حملت هذا الكتاب وكأنه قصة ما قبل النوم، وكثيرا ما كان ينتهي بي الأمر لأطلق ضحكات يتعجب منها من حولي. سألتني مرة صديقتي ما هذا الكتاب الذي أراك تحملينه أين ما كنت، ما هذا الكتاب الذي تصبحين معه في عالم ثان عند قراءته؟ فؤاد خوري لم يعلمني الضحك فقط عندما أسمع نكتة أو أكون سعيدة. عالم الأنثروبولوجيا هذا علمني أن الضحكة هي السلاح الذي أتغلب به على جميع المصاعب. منذ فترة التقيت بصديق لم أره منذ مدة بعد أن وجه لي اسئلة وأجبته قال لي إنه سعيد جدًّا أنني استطعت رغم صعوبة ظروفي أن أتحدث عنها بابتسامة.

لقد تسلمت زوجة فؤاد الخوري مسودة سيرته قبل وفاته في 2003 وهي كانت شاهدة على حياته ورفيقة له في أبحاثه وتقول في شهادتها على الكتاب «العنوان الذي اختاره فؤاد لسيرته الذاتية المحترفة يعبّر عن طبيعته ومهنته. فبعض القصص التي احتواها تبعث على الضحك بسرور، وبعضها الآخر حكايا أكثر رصانة». هل وجدت صعوبة في ترجمة روح الضحك وروح الجد في حياته؟

مروة: لم يضحك فؤاد خوري يومًا على أحد أو شيء من باب السخرية والاستهزاء. أهم ما يميز عالم الأنثروبولوجيا هذا هو الاحترام الذي يكنه للآخر. كان حريصًا على أن لا يقلل من شأن أحد. حتى عندما كان ينتقد أحدا بشكل مباشر أو غير مباشر يتجنب ذكر اسمه. هذا على الصعيد الشخصي، أنا على الصعيد الثقافي بشكل عام كان الكاتب يهتم بأدق التفاصيل يستمتع بتحليل مزايا ثقافة معينة، لا بل يطلب من أهلها أن يمارسوها بكل حرية وأن يتمسكوا بها وأن تكون مدعاةً لفخرهم. لفتني في الفصول الأولى من الكتاب عندما طلب من أحد رجال قريته في شمال لبنان أن يحافظ على لباسه القروي (الشروال) فدفع له ثمن خياطة هذا الزي. يقول فؤاد خوري إن علم الأنثروبولوجيا يمزج بين المراقبة والمشاركة، وقد أحسن الخوري المزج بين الطريقتين. لقد شارك أصحاب الثقافات الأخرى عاداتهم وتقاليدهم، عاش بينهم ووضع نفسه مكان كل منهم. لقد أراد فؤاد خوري من كتابه أن يكون دعوةً للضحك واحترام الآخر وتقبله والتعايش معه، مهما اختلفت معتقداته أو عاداته.

من المناسب أن أستشهد بالشاعر الفيلسوف الإنجليزي كولردج صاحب نظرية الخيال حين قال: «إن حصر الضحك في التعبير عن الازدراء مناقض للواقع» وهذا ما دفع الفيلسوف هنري برغسون في العام 1911 ليطرح كتابه «الضحك».

الضحك يدل على الإدراك وهو يشبه ميزة النطق عند الإنسان، كلا الصفتين يختص بهما الإنسان. أظن (فؤاد) أراد وهو المختص بالإنسان وثقافته أن يلفتنا إلى أن ثقافة البشر مختلفة ومتعددة وأن ذلك يدعونا إلى الاستمتاع والضحك وتقبل هذا الاختلاف بروح المرح لا روح الاستغراب والتعصب والاستنكار والازدراء. وأظنه أراد أن يجعل سيرته المكتوبة مطابقة لسيرته الحقيقية كما مارسها، فشخصيته كما تؤكد زوجته في تقديمها للكتاب كان شخصية مرحة. أكاد أقتنع تماما أن (فؤاد) أراد أن يرسم صورة لعالم الأنثروبولوجيا بعيدة عن التجهم والصرامة والجفاف، أرادنا أن نُدرك بالضحك ما يفوتنا فهمه بالجد.

عنوان أحد فصول سيرة فؤاد الخوري (أن تكون لبنانيًّا... جنسية أم مهنة؟). ما هو جوابه؟

مروة: في هذا الفصل، وكما في كل فصول دعوة للضحك، أراد خوري أن يسرد قصصا طريفة حدثت معه. ومن بين هذه القصص ما جرى في أحد مطارات أفريقيا عندما سأله رجل الأمن في المطار عن جنسيته فأجابه بأنه لبناني. لكن رجل الأمن لم يقتنع أن «لبناني» تعني جنسية وليست مهنة وذلك لأن الأفارقة تعودوا على أن يكون اللبناني في بلادهم تاجرا فكان الربط لزاما بين اللبناني والتجارة.

يقارب الخوري هذه القصة بشكل طريف يجبرك وبكل رحابة صدر على أن تلبي دعوته للضحك. وقد أراد من وراء اختيار العنوان على هذا الشكل (سؤال) أن يقدم أمرا غير مألوف من خلال عرض احتمال غير منطقي بين الأجوبة، لأن اللبناني تعني بكل بساطة جنسية وهي ليست مهنة. لذلك لم يطرح السؤال بهدف البحث عن إجابة بقدر ما كان يهدف إلى طرح قصة غريبة وطريفة.

تحدث فؤاد الخوري في سيرته كثيرا عن تجربة المهاجرين اللبنانيين في أفريقيا (السينيغال، غينيا، سيراليون، ساحل العاج، بوركينا فاسو، غانا ونيجيريا). كيف وجدهم وكيف وجد تجربتهم؟

مروة: لقد نقل فؤاد خوري بأمانة في هذا الفصل تجربة المهاجرين اللبنانيين في غرب أفريقيا، وكعادته في طريقة سرد الأحداث جعلنا نشعر وكأننا معه في رحلته التي تنقل خلالها بين دول عديدة. نقل لنا صورا مختلفة عن التجار اللبنانيين: صورة التاجر الغني الواثق من نفسه، وصورة التاجر الذي لم يحقق نجاحا في سفره (وأخوه يعقوب أحد هؤلاء). كما وصف التجار الأغنياء على أنهم ذو حيوية لكن مضيفه (من آل عطية) لم يكن كذلك بل كان تاجرا هادئا.

ونقل خوري صورة التاجر اللبناني (الحذق) الذي يبيع الزبون فردتي حذاء للرجل اليسرى ثم يحاول إقناعه في اليوم التالي أن يشتري فردتي اليمنى. ولم ينس خوري أن يتحدث عن التجار اللبنانيين الذين ينتقدون بلادة الأفارقة ولكنهم في الواقع أكثر كسلا منهم. بالإضافة إلى التجار المتذمرين من كونهم «ينهون يومهم بالخسارة» مع أنهم اشتروا بيوتا في لبنان وأرسلوا أموالا لأهلهم.

باختصار هو استعراض لطبيعة التجار اللبنانيين، وكأنه يقول لهم: احذروا الحكم على الناس وتعميم هذا الحكم، فأنتم لستم أفضل من غيركم.

كيف تحدّث في سيرته عن تجربة عمله في البحرين فترة إعداده لكتابه (القبيلة والدولة)؟

لقد خصص فصلين عن البحرين، في كتاب سيرته، لقد عبر عنه حبه للبحرين بقوة، وقد شكل هذا الحب منافساً لمهنيته ومتطلبتاه من الموضوعية، حتى قال»أردت أن أكتب كتاباً يعبّر عن مشاعري تجاه هذا البلد من دون المجازفة بمهنيتي».

وقد قال بوضوح»أحببت البحرين وناسها» لقد بلغ شغفه بالبحرين إلى حد أنه أهدى كتابه (القبيلة والدولة بالبحرين... تطور نظام السلطة وممارستها) إلى دانة، وهي اسم شائع يستخدمه السنة والشيعة للإناث في البحرين، وهذا يعطينا دلالة أنه أحب البحرين بتكوينها المتعدد.

سيجد القارئ في فصل «أسرار معلنة.. للنقاش لا للنشر» تفاصيل كثيرة عن البحرين في السبعينيات، وكيف تمّ منع كتابه من البحرين. لا أبالغ إذا ما قلت إنه كتاب مهم لكل بحريني يريد أن يعرف مجتمعه وثقافته وتاريخه.

أخيراً، كيف تقييمن تجربتك في ترجمة الكتاب؟

لقد قرأت سيرته في لغتها الانجليزية لكني ضحكت كثيرا بفمي العربي، لقد أثّر كثيرا في فهمي لعالمي العربي، وأحببت تجربتي في ترجمته، وبالمناسبة الفصول الأخيرة من كتابه، تمّ إسنادها إلى مترجمات أخريات، وقد أجدن ترجمتها، وكنت أتمنى أن أترجمها أنا لأسباب تتعلق بتعلقي وحبي للكتاب.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus